البرنامج النووي الإيراني ما بعد حرب الاثني عشر يوما
ضياء السيد علي
2025
الملخص:
يتناول هذا البحث البرنامج النووي
الإيراني في أعقاب حرب الاثني عشر يومًا، التي شنتها إسرائيل بدعم أمريكي مباشر ضد
منشآت نووية إيرانية رئيسية. وقد شكّل هذا البرنامج قضية محورية في السياسة
الإقليمية والدولية لعقود. بدأ كمشروع سلمي مدعوم غربيًا في عهد الشاه، ثم تحول
تدريجيًا إلى أداة استراتيجية تعكس طموحات إيران الجيوسياسية بعد الثورة الإسلامية
عام 1979.
لذا،
يهدف هذا البحث إلى استعراض الخلفية التاريخية للبرنامج النووي الإيراني منذ نشأته
في خمسينيات القرن الماضي وحتى الاتفاق النووي عام 2015، مع التركيز على التحولات
السياسية والتكنولوجية التي شكّلت مساره. ثم يُحلل تداعيات حرب الاثني عشر يوما على
البرنامج من خلال دراسة أسبابها وتطوراتها وعواقبها المباشرة على البنية التحتية
والقدرات. كما يناقش البحث المواقف الإقليمية والدولية تجاه البرنامج في فترة ما
بعد الحرب، ويستكشف السيناريوهات المستقبلية بناءً على المتغيرات الجيوسياسية.
وتكمن
مشكلة البحث في الإجابة على السؤال المركزي: ما هي التحديات والفرص التي تواجه
البرنامج النووي الإيراني بعد حرب الأيام الاثني عشر؟
أثار البرنامج جدلاً عميقاً حول صموده وقدرته
على التكيف مع الضربات العسكرية المكثفة التي استهدفت بنيته التحتية. وقد تأجج هذا
الجدل بالتناقض بين الضغوط الخارجية الهادفة إلى تجميد القدرات النووية الإيرانية
كلياً، وإصرارها على إعادة بنائها بسرية أكبر. اعتمد البحث على منهج تاريخي لتتبع
تطور البرنامج عبر مراحله المختلفة، ومنهج وصفي تحليلي لوصف مسار الحرب وتحليل
تداعياتها عليه.
وخلص البحث إلى عدة نتائج رئيسية،
أبرزها أن أحد الأسباب المباشرة لحرب الأيام الاثني عشر هو تصور إسرائيل أن تقدم
إيران في تخصيب اليورانيوم إلى 60% يُشكل تهديداً وجودياً مباشراً. دفع هذا
إسرائيل إلى تطبيق "مبدأ بيغن" بشن ضربات استباقية، مدعومةً بمساعدات
لوجستية واستخباراتية أمريكية، اللتين اعتبرتا البرنامج تهديدًا لأمنهما القومي.
ألحقت الحرب أضرارًا بالغة بمنشآت
رئيسية مثل نطنز وفوردو، ودمرت آلاف أجهزة الطرد المركزي، وقلصت بشكل كبير قدرة
إيران على تخصيب اليورانيوم فورًا بنسبة تصل إلى 50%. ومع ذلك، فإن غياب الشفافية
بشأن مخزون اليورانيوم المخصب المتبقي والمعدات المتطورة المخزنة في مواقع سرية
يتيح لإيران إمكانية إعادة الإعمار بدعم فني روسي وصيني. وقد تباينت المواقف
الإقليمية والدولية بشكل حاد. فقد دعمت إسرائيل والولايات المتحدة الضربات كوسيلة
لكبح النفوذ الإيراني، بينما أدانتها روسيا والصين باعتبارها انتهاكات للسيادة.
وقد خلق هذا انقسامًا دوليًا يُعقّد استئناف المفاوضات النووية، ولكنه يتيح أيضًا
فرصًا للوساطة الأوروبية أو الإقليمية من خلال دول مثل عُمان أو قطر.
المقدمة
لطالما كان البرنامج النووي
الإيراني قضية محورية في السياسة الإقليمية والدولية لعقود. بدأ كمشروع يهدف إلى
توفير الطاقة السلمية بدعم من الولايات المتحدة في عهد الشاه، لكنه تطور تدريجيًا
إلى أداة استراتيجية تعكس طموحات إيران لتعزيز مكانتها الجيوسياسية في ظل التحديات
الخارجية. أدى هذا التطور إلى تصاعد التوترات مع القوى الغربية، لا سيما بعد
اكتشاف منشآت سرية في بداية الألفية الجديدة، مما أثار اتهامات بمحاولة امتلاك
قدرات أسلحة نووية، على الرغم من نفي طهران المتكرر وإصرارها على الاستخدامات
السلمية.
مع اندلاع حرب الاثني عشر يومًا
في يونيو 2015، التي شنتها إسرائيل بدعم أمريكي مباشر ضد المنشآت النووية، دخل
البرنامج مرحلة انتقالية حرجة. وبينما لحقت أضرار جسيمة بالبنية التحتية، لا يزال
المدى الكامل للخسائر وإمكانية التعافي السريع غير واضحين.[1]
لقد
أبرزت الحرب دور البرنامج النووي الإيراني في تشكيل التحالفات الإقليمية. اعتبرته
دول الخليج تهديدًا مباشرًا لأمنها، بينما اعتبرته إيران ركيزة ردع في وجه
التهديدات الإسرائيلية. أدى ذلك إلى تحول الصراع من ظلال الدبلوماسية إلى مواجهة
عسكرية مباشرة. لم يقتصر هذا التحول على المجال العسكري، بل امتد إلى الساحتين
الاقتصادية والسياسية أيضًا.
كما زادت العقوبات الدولية من
الضغط الداخلي على النظام الإيراني، مع ظهور انقسامات حول جدوى التصعيد المستمر
مقابل الفرص التي تتيحها الدبلوماسية. كما أعادت الحرب فتح باب المفاوضات النووية،
التي كانت على وشك الوصول إلى جولة سادسة قبل اندلاعها. وهذا يجعل مستقبل البرنامج
مرهونًا بقدرة طهران على الاستفادة من دعم حلفائها، مثل روسيا والصين، لإعادة
الإعمار.
علاوة على ذلك، يعكس برنامج ما
بعد الحرب توازنًا دقيقًا بين خسائر ساحة المعركة والفرص الاستراتيجية. نجا جزء من
مخزون اليورانيوم المخصب، مما سمح بنشر أجهزة طرد مركزي متطورة في مواقع غير
معلنة، وسط دعوات دولية لتعزيز الرقابة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إن
هذا الواقع يجعل البرنامج ليس مجرد قضية تقنية، بل عنصرا حاسما في إعادة رسم خريطة
النفوذ في الشرق الأوسط، مع ما يترتب على ذلك من آثار محتملة على الاستقرار
العالمي إذ يؤدي إلى سباق تسلح إقليمي أو انسحاب إيران من معاهدة منع الانتشار
النووي.
إشكالية البحث
أثار البرنامج النووي الإيراني،
في أعقاب حرب الاثني عشر يوما، جدلاً عميقاً حول صموده وقدرته على التكيف مع
الضربات العسكرية العنيفة التي استهدفت بنيته التحتية. يتناقض هذا الجدل مع الرأي
القائل بأن البرنامج قد دخل مرحلة ضعف استراتيجي، مما أجبر طهران على التخلي عن
طموحاتها العسكرية المحتملة تحت وطأة العقوبات الدولية المشددة وعزلة إقليمية
متزايدة.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة
بالنظر إلى الدعم الضمني من بعض دول الخليج للعمليات الإسرائيلية الأمريكية التي
ألحقت أضراراً جسيمة بمنشآت تخصيب اليورانيوم مثل نطنز وفوردو. في غضون ذلك، تُصر
إيران على موقفها السيادي، معتبرةً البرنامج حقاً مشروعاً في الطاقة السلمية
والردع الدفاعي ضد التهديدات الخارجية. يعكس هذا تناقضاً بين الضغوط الخارجية إلى
تجميد القدرات النووية تماماً وإصرار إيران على إعادة بنائها بشكل أكثر سرية، مستفيدةً
من الدعم الروسي والصيني في مواجهة الانهيار الاقتصادي والانقسامات الداخلية. وهذا
يجعل البرنامج محوراً لصراع جيوسياسي أوسع نطاقاً يمتد من الشرق الأوسط إلى الساحة
الدولية. هناك مخاوف من أن يؤدي التصعيد إلى سباق تسلح نووي إقليمي أو انهيار نظام
منع الانتشار. ومع ذلك، هناك أيضًا فرص دبلوماسية محتملة لاستئناف المفاوضات، بشرط
تقديم ضمانات أمنية تمنع تكرار الهجمات. وهذا يضع البرنامج النووي الإيراني عند
مفترق طرق سيحدد مستقبل توازن القوى، وهو أمر استراتيجي في المنطقة. وبالتالي،
يبرز التساؤل الرئيسي: ما هي التحديات والفرص التي تواجه البرنامج النووي الإيراني
ما بعد حرب الاثني عشر يوما؟
ومنه تنبثق الأسئلة الفرعية:
1.
ما هي
الخلفية التاريخية للبرنامج وتطوراته؟
2.
وما
انعكاسات الحرب عليه؟
3.
وما هي
المواقف الإقليمية والدولية والسيناريوهات المستقبلية؟
أهداف البحث
1.
استعراض
الخلفية التاريخية للبرنامج النووي الإيراني منذ جذوره في الخمسينيات وحتى الاتفاق
النووي 2015، مع التركيز على التحولات السياسية والتقنية التي شكلت مساره. هذا الهدف يساعد في فهم السياق الذي أدى إلى
التصعيد الحالي.
2.
تحليل
انعكاسات حرب الاثني عشر يوما على البرنامج من خلال دراسة الأسباب والمجريات
والنتائج المباشرة على البنية التحتية والقدرات، مع
التركيز على كيفية تأثير الضربات العسكرية في إعادة تشكيل الاستراتيجية الإيرانية.
3.
مناقشة
المواقف الإقليمية والدولية تجاه البرنامج ما بعد الحرب، مع استشراف السيناريوهات
المستقبلية بناءً على المتغيرات الجيوسياسية، ويهدف
إلى تقديم رؤى حول التفاعلات الدولية والإقليمية.
4.
تقديم
توصيات عملية تساهم في تعزيز الدبلوماسية النووية وتجنب التصعيد المستقبلي في
المنطقة.
أهمية البحث
تعكس أهمية هذا البحث في: توضيح
انعكاسات حرب الاثنا عشر يوما على مسار الملف النووي الإيراني على الامن الإقليمي
والدولي وإعادة تشكيل موازين القوى ، وذلك من خلال تتبع التطورات التاريخية
للبرنامج النووي بما يوفر اساساً علمياً لفهم خلفياته وابعاده، وبقدم البحث قراءة
لمواقف الدول الكبرى والإقليمية تجاه الملف النووي الإيراني بعد الحرب مما يعزز
فهم الطبيعية الجيوسياسية ، ويفتح المجال امام سيناريوهات مستقبلية تتجنب التصعيد
وتسهم في تحقق الاستقرار بالمنطقة ، مما يعكس بشكل ملموس الأثر التي تركته الحرب على الملف النووي الإيراني وتداخله
بالأمن الإقليمي والأمني.
فرضية
البحث
1.
رغم
الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمنشآت النووية جراء حرب الاثني عشر يوما، فإن إيران
قادرة على إعادة بناء قدراتها بطرق سرية أكثر كفاءة، مستفيدة من الدعم التقني
الروسي والصيني، مما قد يعزز موقفها التفاوضي لكنه يزيد من مخاطر التصعيد الإقليمي.
2.
استئناف
المفاوضات النووية بشرط ضمانات أمنية يمكن أن يؤدي إلى تجميد مؤقت للبرنامج، لكن
فشلها سيسرع من سباق التسلح في الشرق الأوسط.
حدود البحث
- الحدود
الزمنية: يونيو 2025 حيث هذه الفترة شهدت استهداف المنشآت
النووية في ايران.
- الحدود
المكانية: الجمهورية
الإسلامية الإيرانية.
- الحدود
الموضوعية: يركز هذا البحث على البرنامج
النووي الإيراني بعد حرب الاثني عشر يومًا.
منهجية البحث
يعتمد البحث على مزيج من
المنهجيات العلمية لضمان الشمولية والدقة. يعتمد المنهج التاريخي لتتبع تطور
البرنامج النووي الإيراني عبر مراحله المختلفة، وترتيب الأحداث زمنيًا، وتحليل
التحولات السياسية والتكنولوجية المصاحبة لها، مما يوفر أساسًا متينًا لفهم السياق
الراهن. أما المنهج الوصفي التحليلي، فيُستخدم لوصف مسار حرب الأيام الاثني عشر
وتحليل تداعياتها على البرنامج، من خلال تحليل أسبابها وآثارها ومقارنتها بالأهداف
المعلنة للأطراف المعنية. ويعتمد هذا المنهج على التقارير والوثائق لاستخلاص
الدروس المستفادة واستشراف التطورات المستقبلية في هذا السياق.
عرض الدراسات السابقة
تُسلط دراسة الباحث طلال العتيبي2023) ) الضوء
على تطور البرنامج النووي الإيراني من عهد الشاه إلى فترة ما بعد الثورة
الإسلامية. وتفترض الدراسة أن الموقع الجيوسياسي لإيران يُمكّنها من لعب دور
"شرطي الخليج"، وتُركّز على كيف أضعفت الحرب الإيرانية العراقية هذا
الدور مؤقتًا قبل أن تستعيده بعد عام ١٩٩١ من خلال التقارب مع الدول العربية.
وتخلص الدراسة إلى أن سعي إيران لامتلاك قدرات نووية يُشكّل مصدر قلق أمني كبير
لدول الخليج نظرًا لتغيّر موازين القوى، لا سيما بالنظر إلى تعقيدات علاقاتها مع
المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وهذا يُوفّر أساسًا لفهم
التوسع الإقليمي كسياق استراتيجي للبرنامج النووي.
في ظل هذه الخلفية الإقليمية، تناولت
دراسة أجراها الباحث عبد الرؤوف سنو (2025) طموحات إيران التوسعية من خلال وكلائها في
لبنان وسوريا والعراق واليمن. افترضت الدراسة أن البرنامج النووي يهدف إلى ترسيخ
إيران كقوة نووية على قدم المساواة مع إسرائيل، مؤكدةً اعتمادها على أيديولوجية
دينية سياسية وقدرات عسكرية. وخلصت الدراسة إلى أن حرب الأيام الاثني عشر كانت
نتيجة خطة إسرائيلية مدروسة لمواجهة هذا النفوذ الإيراني المتزايد، مع تداعيات
خطيرة على الاستقرار الإقليمي، مما يربط مخاوف الخليج المبكرة بإمكانية المواجهة
العسكرية المباشرة.
في سياق هذه المواجهة، أشارت
دراسة أجراها ميشيل غايتا (2025) إلى أن الضربات الإسرائيلية الأمريكية ألحقت
أضرارًا ملموسة بالبنية التحتية النووية الإيرانية. ومع ذلك، ظل مدى الضرر الذي
لحق بالمواد المخصبة وأجهزة الطرد المركزي غير واضح. وجادلت الدراسة بأن الحرب
كانت مقامرة عالية المخاطر، مركزةً على قدرة إيران على الصمود رغم الخسائر. وخلصت
إلى أن بذل جهد دبلوماسي فوري أمر بالغ الأهمية لمنع انسحاب إيران من معاهدة حظر
الانتشار النووي، مما يعزز فكرة أن التصعيد العسكري لم يلغي قدرات إيران، بل فتح
الباب أمام ردود فعل استراتيجية.، اما دراسة الباحثة ياسمين الضوي (2025)
إلى التركيز على المحور الروسي الإيراني بعد الحرب، وافترضت سيناريوهات تتراوح بين
التحول إلى تحالف عسكري كامل أو إضعاف التحالف. وركّزت على الحياد الروسي الظاهري
رغم الدعم الفني السابق، وخلصت إلى أن الموقف الروسي البراغماتي يضع حدودًا واضحة
للتحالف مع فرص لتعزيزه في حال استمرار الضغط الأمريكي، مما يوضح كيف أن الصمود
الإيراني مدعوم بعوامل خارجية تمنع الانهيار الكامل.
ارتباطًا بهذا الأمر فقد أشارت
دراسة أجراها الباحث على لاريجاني (2025) إلى إلغاء اتفاقية القاهرة مع
الوكالة الدولية للطاقة الذرية كرد فعل إيراني مباشر على الضربات. وتناولت الدراسة
التصعيد الإيراني كاستراتيجية دفاعية، وأكدت على استعداد طهران لمفاوضات جديدة،
مشروطة بضمانات أمنية. ركزت دراسة أجراها مركز الإمارات للسياسات (2025) على
تحول الصراع من السري إلى العلني، مشيرةً إلى أن الحرب كانت اختبارًا للعقائد
العسكرية. وخلصت إلى أن إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها بالكامل، وربطت بين الحدود
الروسية والتصعيد الدبلوماسي والعسكري.
بالعودة إلى جذور البرنامج النووي
الإيراني، ألقت دراسة الباحث
إدريس لكريني (2019) الضوء
على مستقبل القضية النووية بعد انسحاب ترامب من الاتفاقية. وافترضت أن العزلة
الدولية تدفع إيران نحو التصعيد، وأكدت على حاجة إيران إلى نموذج رعاية قائم على
الذكاء الاصطناعي للالتفاف على العقوبات. خلصت الدراسة إلى أن المفاوضات تعثرت دون
تغييرات داخلية جذرية، مما يُفسر استمرار التصعيد الذي انتهى بالحرب. في سياق
المواجهة العسكرية، تناولت دراسة عمار عباس الشاهين وآخرون (2025) التعارض
بين العقيدتين العسكريتين الإسرائيلية والإيرانية، مفترضةً فعالية عقيدة سلاح الجو
الإسرائيلي في الضربات الدقيقة، ومُركزةً على إجراءات التجديد السريع التي اتخذتها
إيران. واستخلصت الدراسة دروسًا من التفاوتات الجغرافية والتسليحية، مُعمّقةً فهم
الانتكاسات التاريخية في سياق التصعيد الحالي.
من منظور تاريخي شامل، تتبعت
دراسة الباحث محمد نورالدين (2009) تاريخ النشاط النووي الإيراني منذ
بدايته في خمسينيات القرن الماضي وحتى فرض العقوبات. وافترضت استمرارية السرية
كاستراتيجية أساسية، وركزت على تأثير البرنامج على الشرق الأوسط ككل. وخلصت
الدراسة إلى أن السرية قد فاقم التوترات الإقليمية بشكل دائم، رابطةً الدروس
العسكرية بالجذور التاريخية للسرية والقدرة على الصمود.
في أعقاب الحرب، ركزت دراسة الباحث شريف هريدي (2025)
على تأثير الحرب على المفاوضات النووية. وافترضت فقدانًا تامًا للثقة بين الأطراف،
وأكدت على شروط إيران الصارمة للعودة إلى طاولة المفاوضات. وخلصت الدراسة إلى وجود
عقبات هيكلية أمام التوصل إلى اتفاق جديد، موضحةً كيف تُعزز التوترات الإقليمية
عوائق الدبلوماسية. وأخيرًا، سلطت دراسة (المركز العربي للأبحاث، 2025)
الضوء على الصراع بين إسرائيل وإيران ورد الفعل المتبادل، وافترضت أن الصراع
سينتقل إلى مواجهة مباشرة، مركزةً على المواجهة المباشرة كمرحلة جديدة، وتوصلت إلى
آثار عميقة على التحالفات الإقليمية، لتختتم السلسلة بربط العقبات الدبلوماسية
بالمواجهة الشاملة.
ولسد هذه الفجوة البحثية سيهتم البحث: بتحليل شامل لمرحلة ما بعد حرب
الاثني عشر يومًا كحدث تحولي، وبيان اهم نتائجها وتغيراتها التي أسفرت عنها في
الملف النووي الايراني، وتحديد مسار سيره في المستقبل.
هيكل البحث
للإجابة على تساؤل البحث وإثبات
فرضيته، يتم عرض المادة العلمية في هذا البحث على ثلاثة فصول رئيسية، بالإضافة إلى
الخاتمة والنتائج:
الفصل الأول: الخلفية التاريخية
للبرنامج النووي الإيراني.
المبحث الأول: الجذور الأولى
للبرنامج النووي الإيراني (1950–1979)
المبحث الثاني: ما بعد الثورة
الإسلامية 1979 – السرية والاتهامات.
المبحث الثالث: العقوبات الدولية
والاتفاق النووي 2015.
الفصل الثاني: حرب الإثنى عشر
يومًا وانعكاساتها على البرنامج النووي
المبحث الأول: خلفيات الحرب
وأسباب اندلاعها.
المبحث الثاني : مجريات الحرب -
أهداف الأطراف.
المبحث الثالث: النتائج المباشرة
للحرب على البرنامج النووي الإيراني.
الفصل
الثالث: المواقف الإقليمية والدولية والسيناريوهات
المستقبلية
المبحث الاول :المواقف الإقليمية
(إسرائيل، دول الخليج، تركيا).
المبحث الثاني :المواقف الدولية
(الولايات المتحدة، أوروبا، روسيا والصين).
المبحث الثالث :استشراف مستقبل
البرنامج النووي الإيراني.
الفصل الأول: الخلفية
التاريخية للبرنامج النووي الإيراني
يستعرض هذا الفصل مسار البرنامج
النووي الإيراني كمحور تاريخي متكامل، بدءًا من نشأته في منتصف القرن العشرين
كمشروع تعاوني سلمي دعمته القوى الغربية الكبرى، مرورًا بتحوله الجذري بعد الثورة
الإسلامية ليصبح ركيزة استراتيجية ذات أبعاد سياسية وأمنية معقدة، وصولًا إلى
مراحل العقوبات الدولية والمفاوضات الدبلوماسية التي تُوجت باتفاق 2015. ومن خلال
تتبع هذه المراحل التراكمية، يُسلط الفصل الضوء على السياق الذي أدى إلى التصعيد
العسكري في حرب الأيام الاثني عشر، رابطًا الجذور التاريخية بالديناميكيات
الجيوسياسية المعاصرة، ومؤكدًا أن كل مرحلة لم تقتصر على التطور التكنولوجي، بل
عكست تحولات سياسية داخلية وخارجية أعادت تشكيل هوية إيران كقوة إقليمية.
المبحث الأول: الجذور
الأولى للبرنامج النووي الإيراني (1950–1979)
بدأت جذور البرنامج النووي
الإيراني في أوائل خمسينيات القرن الماضي كجزء من مبادرة "الذرة من أجل
السلام" التي أطلقتها الولايات المتحدة. في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، تلقت
إيران دعمًا تقنيًا وتكنولوجيًا شاملًا لإنشاء مفاعلات بحثية بدائية تهدف أساسًا
إلى توليد الكهرباء وتلبية احتياجات التنمية الصناعية. واعتبر الشاه البرنامج
أداةً لتحديث البلاد وتعزيز مكانتها الإقليمية كحليف رئيسي للغرب في مواجهة
التهديدات السوفيتية خلال الحرب الباردة. [2]
شمل هذا الدعم تدريبًا مكثفًا
للعلماء الإيرانيين في الجامعات الأمريكية، وتزويدهم بالمعدات النووية الأساسية،
مثل مفاعل طهران البحثي، الذي بدأ تشغيله عام ١٩٦٧. وقد أرسى هذا أساسًا معرفيًا
وتكنولوجيًا متينًا ساهم في بناء القدرات المحلية الأولية. إلا أن هذا التعاون
اعتمد بشكل كبير على الشفافية والرقابة الدولية من خلال الوكالة الدولية للطاقة
الذرية، دون أي مؤشرات عامة أو خطط واضحة للأبعاد العسكرية آنذاك، مع أن بعض
التحليلات اللاحقة ترى فيه بوادر طموحات استراتيجية مستقبلية.[3]
ومع ذلك، أدى هذا الإطار السلمي
إلى توسع سريع في ستينيات القرن الماضي، حيث وقّعت إيران اتفاقيات مع ألمانيا
الغربية لبناء محطة بوشهر للطاقة النووية، التي كان الهدف منها إنتاج 1000 ميغاواط
من الكهرباء. عزز هذا القدرة على إنتاج الوقود النووي محليًا وقلل الاعتماد على
الواردات، وسط مخاوف إقليمية مبكرة من دول الخليج، مثل المملكة العربية السعودية،
التي رأت في ذلك تحولًا محتملًا للبرنامج إلى أداة نفوذ جيوسياسي تهدد التوازن
الإقليمي، لا سيما في ظل خطط الشاه لإنشاء ما يصل إلى عشرين مفاعلًا نوويًا بحلول
ثمانينيات القرن الماضي، مما يعكس رؤية بعيدة المدى للطاقة النووية كمحرك للتنمية
الاقتصادية والقوة العسكرية غير المباشرة.[4]
في سبعينيات القرن الماضي، شهد
البرنامج زيادة ملحوظة في الاستثمارات المالية والتكنولوجية، حيث بلغت ميزانيته
السنوية مئات الملايين من الدولارات. مكّن هذا إيران من شراء أجهزة طرد مركزي
متطورة من شركات أوروبية مثل شركة يورينكو الهولندية، مما سمح لها ببدء أبحاث
تجريبية في تخصيب اليورانيوم للوقود النووي. كان هذا مدفوعًا بالحاجة الملحة
لتنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن الاعتماد الكلي على النفط، الذي كان يواجه أسعارًا
عالمية متقلبة. ومع ذلك، جعل هذا التوسع البرنامج عرضة لتغييرات سياسية جذرية، حيث
أن الاعتماد على الدعم الغربي يعني توافقًا وثيقًا مع مصالح واشنطن في المنطقة.
كما أعطى هذا التطور للبرنامج طابع الاستخدام المزدوج، حيث نشأت شكوك دولية
تدريجية بشأن إمكانية تحويل التكنولوجيا إلى أغراض عسكرية سرية، على الرغم من
تأكيدات طهران الرسمية المتكررة بالتزامها بالاستخدامات السلمية البحتة..[5]
في هذا السياق، شهدت هذه الفترة
تراكمًا هائلًا من الخبرات العلمية والبشرية، حيث تم تدريب آلاف المهندسين
والعلماء. وساهم ذلك في ضمان استمرارية البرنامج بعد الثورة الإسلامية، مع الحفاظ
على بنية تحتية أساسية صمدت جزئيًا أمام الاضطرابات السياسية والعقوبات الأولية.
وبالتالي، يمكن اعتبار هذه المرحلة بمثابة الجسر الذي نقل البرنامج من حالة
التبعية الخارجية إلى حالة من الاستقلال النسبي، على الرغم من التحديات اللاحقة.
مع اقتراب نهاية عهد بهلوي في
أواخر سبعينيات القرن الماضي، أصبح البرنامج النووي رمزًا بارزًا لطموحات إيران
الإقليمية. أعلن الشاه عن خطط طموحة لبناء شبكة نووية واسعة النطاق، تشمل مفاعلات
متعددة ومنشآت تخصيب، مما يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى اعتبرت الطاقة النووية
مفتاحًا للقوة الاقتصادية وردعًا غير مباشر للمنافسين الإقليميين. إلا أن اندلاع
الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩ أوقف هذه الخطط فجأة، مع إلغاء العقود الدولية وانسحاب
الشركاء الغربيين، مما أدى إلى شلل مؤقت للمشروع.
مع ذلك، حافظت إيران على إرثها
التكنولوجي الأساسي، بما في ذلك مفاعل الأبحاث والكوادر العلمية، اللذين شكلا أساس
البرنامج الحديث في العقود اللاحقة، مع تحول تدريجي نحو التركيز على الاستقلال
التكنولوجي كوسيلة للحفاظ على السيادة الوطنية. في نهاية المطاف، مهدت هذه الجذور
المبكرة الطريق لتحول البرنامج إلى قضية أمنية دولية معقدة بعد عام ١٩٧٩، حيث
أصبحت الشكوك حول نواياه جزءًا لا يتجزأ من الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط..[6]
المبحث الثاني: ما بعد
الثورة الإسلامية 1979 – السرية والاتهامات
لقد أدت الثورة الإسلامية عام
١٩٧٩ إلى انقطاع جذري في الدعم الغربي الذي غذّى البرنامج النووي، مما دفع النظام
الجديد إلى البحث عن شركاء بديلين مثل باكستان وكوريا الشمالية لمواصلة أنشطة
التخصيب سرًا. وتضمن ذلك إنشاء منشآت تحت الأرض، موزعة جغرافيًا لتجنب الكشف
الدولي، مما عزز السرية كاستراتيجية دفاعية رئيسية ضد العقوبات والعزلة الدولية
التي فرضتها الولايات المتحدة في البداية ردًا على الاستيلاء على السفارة
الأمريكية. وكان هذا التحول رد فعل مباشر على السياق الجديد، حيث اعتبر المرشد
الأعلى روح الله الخميني والقيادة الثورية البرنامج حقًا سياديًا مشروعًا يعكس
الاستقلال عن الهيمنة الغربية، على الرغم من التوقف المؤقت للأنشطة النووية بعد
الثورة بسبب الاضطرابات الداخلية.[7]
ومع ذلك، أثار اكتشاف مواقع سرية
مثل نطنز وآراك في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين اتهامات غربية قوية
بأن للبرنامج أبعادًا عسكرية خفية، رغم نفي طهران المتكرر تأكيدًا على التزامها
بمعاهدة حظر الانتشار النووي. أدى ذلك إلى تصاعد التوترات الدبلوماسية وفرض مجلس
الأمن عقوبات أولية عام 2006. في هذا السياق، لم تعد السرية مجرد حماية تقنية، بل
أصبحت تعبيرًا عن مقاومة سياسية، مما ساهم في تطوير قدرات محلية متقدمة مثل إنتاج
أجهزة الطرد المركزي IR-1. ومع
ذلك، فقد غذّت أيضًا الشكوك الدولية التي تربط البرنامج ببرامج الصواريخ
الباليستية، مما أدى إلى تزايد عزلة إيران..[8]
في الثمانينيات، تأثر البرنامج
بشكل كبير بالحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات وألحقت خسائر بشرية
واقتصادية هائلة، لكنه استمر في التطور عبر تعاون سري مع كوريا الشمالية في مجال
الصواريخ الباليستية، مما ربط القدرات النووية بالردع التقليدي كوسيلة لمواجهة
التهديدات الإقليمية وشهدت هذه الفترة بناء
قدرات محلية متزايدة لتقليل الاعتماد على الشركاء الخارجيين، مع التركيز على تطوير
بروتوكولات أمنية للحماية من الهجمات الجوية العراقية.[9]
ومع ذلك، أدت السرية المتزايدة
إلى تصعيد التوترات الدولية، حيث نشرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقارير عن
أنشطة تخصيب غير معلنة في منشآت مثل كالاي الإيرانية، مما أثار اتهامات بأن إيران
تطور برنامجاً عسكرياً سرياً، رغم الادعاءات الإيرانية بأن هذه الأنشطة بحثية
سلمية بحتة وفي هذا السياق، أصبح
البرنامج جزءاً من الخطاب الثوري الذي يرى فيه رمزاً للصمود أمام "العدوان
الإمبريالي"، لكنه أيضاً ساهم في تعميق الانقسامات الداخلية بين التيار
الإصلاحي الذي يدعو للشفافية والتيار المتشدد الذي يصر على السرية كضمان للأمن القومي،
مما مهد لمراحل لاحقة من التصعيد.
مع دخول التسعينيات، كشفت
التقنيات الاستخباراتية الغربية، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية، عن منشآت نووية
جديدة وغير معلنة مثل فوردو، مما أدى إلى إصدار قرارات أممية تطالب بتعزيز الرقابة
والشفافية، لكن إيران استمرت في تطوير تقنيات محلية متقدمة للطرد المركزي مثل IR-2، مستفيدة من الخبرات المكتسبة في السابق وهذا التطور عزز القدرة على التصعيد النووي
المحتمل، رغم الالتزام الرسمي بالمعاهدات الدولية، وفي الختام، أصبحت السرية سمة
دائمة وأساسية للبرنامج، تحول دون الكشف الكامل عن نواياه، وجعل البرنامج رمزاً
للمقاومة الإيرانية أمام الضغوط الخارجية، مما أثر على الديناميكيات الإقليمية
بشكل عميق وساهم في بناء تحالفات مع دول مثل روسيا لدعم المشروع.[10]
المبحث الثالث: العقوبات
الدولية والاتفاق النووي 2015
بدأ عصر العقوبات الدولية الشاملة
عام ٢٠٠٦ بإصدار قرارات من مجلس الأمن الدولي بناءً على تقارير الوكالة الدولية
للطاقة الذرية التي أشارت إلى انعدام الشفافية في البرنامج. وقد أثر ذلك سلبًا على
الاقتصاد الإيراني من خلال تجميد الأصول وفرض قيود على تجارة النفط. إلا أن هذه
الضغوط، بدورها، دفعت إيران إلى تسريع أنشطة التخصيب إلى مستويات تصل إلى ٢٠٪، مع
التركيز على بناء استقلال تكنولوجي كامل من خلال تطوير أجهزة طرد مركزي محلية
الصنع. [11]
أجبرت هذه الضغوط إيران على
الدخول في مفاوضات مكثفة مع مجموعة 5+1 (الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا
وفرنسا وألمانيا)، والتي أدت في النهاية إلى توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في يوليو/تموز 2015. وقد حددت هذه الاتفاقية مستويات التخصيب إلى
3.67% وخفضت عدد أجهزة الطرد المركزي مقابل رفع تدريجي للعقوبات، مما منح إيران
تخفيفًا اقتصاديًا مؤقتًا سمح بزيادة صادرات النفط بنسبة 50% وزيادة الاحتياطيات
الأجنبية.[12]
ومع ذلك، كان الاتفاق هشاً بسبب
الشروط المتبادلة، حيث حافظت إيران على حقها في البرنامج السلمي بينما فرضت
الرقابة الدولية آليات تحقق صارمة، مما أثار جدلاً داخلياً في إيران بين الداعمين
للانفتاح والمعارضين الذين رأوه تنازلاً عن السيادة.ومع
انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في مايو 2018 تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب،
أعادت العقوبات "الأقصى الضغط"، مما دفع إيران إلى الرد بتدريجي
الانسحاب من التزاماتها، حيث رفعت مستويات التخصيب إلى 60% في 2021، مما أثار
مخاوف دولية من اقترابها من "عتبة النووي" التي تتطلب 90% للأغراض
العسكرية.
كشفت هذه النكسة عن ضعف هيكلي في
الاتفاق، إذ لم يُقدم ضمانات دائمة ضد التغيرات السياسية. كما عززت تحالفات إيران
مع روسيا والصين للحصول على الدعم الفني والاقتصادي، مما ساعد على استدامة
البرنامج رغم الانهيار الاقتصادي الداخلي. في غضون ذلك، أجبر فشل المفاوضات
اللاحقة في فيينا طهران على تبني استراتيجية "المرونة النووية" التي
تُركز على إنتاج الوقود المحلي. ومع ذلك، فقد فاقم ذلك أيضًا التوترات الإقليمية
مع إسرائيل، التي اعتبرت البرنامج تهديدًا وجوديًا، مما مهد الطريق للتصعيد
العسكري في عام 2025. مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وسع
البرنامج منشآته السرية رغم تعزيز المراقبة الدولية. وأعلنت إيران عن بناء منشآت
جديدة تحت الأرض للحماية من الهجمات، مما عزز قدرتها على الصمود في وجه العقوبات
المستمرة. [13]
وكان
هذا التوسع رد فعل مباشر على الانسحاب الأمريكي، مع الاستفادة من الدعم الروسي في
إكمال مفاعل بوشهر، وفي النهاية، أدت هذه التقلبات بين التقييد الدولي والتوسع
الإيراني إلى مرحلة انتقالية حرجة قبل اندلاع الحرب، حيث أصبح البرنامج أداة للضغط
الدبلوماسي بدلاً من التعاون، مما يعكس تحولاً في الاستراتيجية الإيرانية نحو
الاعتماد على الذات كوسيلة للحفاظ على التوازن الإقليمي.
الفصل الثاني: حرب الإثنى
عشر يومًا وانعكاساتها على البرنامج النووي
يستعرض هذا الفصل حرب الاثني عشر يوماً (13-24
يونيو 2025) وتأثيرها على البرنامج النووي الإيراني، من خلال تحليل خلفياتها
ومجرياتها ونتائجها على المنشآت النووية ومعادلات الردع الإقليمي.
المبحث الأول: خلفيات
الحرب وأسباب اندلاعها
تشكلت خلفية حرب الأيام الاثني
عشر على مدار سنوات طويلة من التوترات النووية المتصاعدة، لا سيما بعد فشل الجولة
السادسة من المفاوضات النووية المقرر عقدها في 15 يونيو/حزيران 2025. اعتبرت
إسرائيل تقدم إيران في تخصيب اليورانيوم إلى 60% تهديدًا وجوديًا مباشرًا، مما
يقرب طهران من القدرة على إنتاج سلاح نووي في غضون أشهر. دفع هذا رئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى استخدام "مبدأ بيغن"، الذي يبرر الضربات
الاستباقية لمنع انتشار الأسلحة النووية..[14]
كان هذا التوتر نتيجة مباشرة لانسحاب الولايات
المتحدة من الاتفاق النووي لعام 2015 وتزايد القدرات الإيرانية، بدعم ضمني من دول
الخليج التي اعتبرت البرنامج تهديدًا لأمنها. وساهم الدعم الأمريكي في عهد إدارة
ترامب الثانية في تصعيد الموقف من خلال تزويد إسرائيل بذخائر دقيقة ومعلومات
استخباراتية، مما جعل الحرب تبدو امتدادًا لسياسة "الضغط الأقصى"
الأمريكية.
ومع ذلك، كانت العوامل الكامنة
وراء ذلك متعددة الأوجه، بما في ذلك التوسع الإيراني عبر "محور
المقاومة" في سوريا ولبنان واليمن، والذي اعتبرته واشنطن وتل أبيب محاولة لتطويق إسرائيل. وقد أدى ذلك إلى قرار شن ضربة
استباقية في 13 يونيو. وأثار توسع إيران الإقليمي عبر دعمها لحزب الله وحركة
الحوثي ردود فعل قوية، حيث أكدت التصريحات الرسمية الصادرة عن طهران حقها السيادي
في امتلاك برنامج نووي كرادعٍ ضد "العدوان الصهيوني". وكانت هذه العوامل
الكامنة وراء ذلك جيوسياسية بحتة، حيث رأت القيادة الإيرانية في التصعيد النووي
أداةً لتعزيز نفوذها في مواجهة التحالفات الإسرائيلية العربية مثل اتفاقيات
إبراهيم. في غضون ذلك، ساهمت تقارير استخباراتية حول مخزون إيراني من اليورانيوم
المخصب مُخزّن في مواقع سرية في إثارة القلق الدولي، مما دفع الولايات المتحدة إلى
توفير غطاء جوي للعملية الإسرائيلية. [15]
اندلعت الحرب أخيرًا كرد فعل على
التهديد الإيراني المتصوّر، لكنها كانت أيضًا نتيجة لفشل الدبلوماسية الأوروبية في
إحياء الاتفاق، حيث رفضت إيران الشروط الأمريكية الجديدة التي طالبت بتجميد
البرنامج بالكامل، مما يعكس صراعًا أعمق بين السيادة الإيرانية والأمن الإسرائيلي.
أدت الشكوك المستمرة حول حجم
المخزون النووي الإيراني، الذي قدرت التقارير الدولية بـ 3000 كيلوغرام من
اليورانيوم المخصب، إلى اندفاع إسرائيل نحو الضربة، مع دعم خليجي ضمني من السعودية
والإمارات التي تخشى من هيمنة إيرانية نووية. وهذا
السياق الإقليمي مهد للصدام، حيث أصبح البرنامج رمزاً للتوازن النووي في المنطقة،
وفي الختام، كانت الأسباب مزيجاً من الأبعاد الأمنية الإسرائيلية والسياسية
الأمريكية والاقتصادية الإيرانية، مما جعل الحرب حتمية في غياب آلية دبلوماسية
فعالة، وأثرت على الاصطفاف العالمية بتعزيز الدعم الروسي الصيني لطهران.[16]
المبحث الثاني: مجريات
الحرب - أهداف الأطراف
استهدفت إسرائيل بداية الحرب
بعملية "الأسد الصاعد" في ليلة 13 يونيو، والتي شملت غارات جوية دقيقة
بطائرات F-35 على
منشآت نووية رئيسية مثل نطنز وفوردو، بهدف تدمير قدرات التخصيب الرئيسية وتأخير
البرنامج لسنوات، مدعومة بدعم أمريكي لوجستي واستخباراتي يشمل قاذفات B-2 وهذه الهجمات كانت جوية بشكل أساسي لتجنب
الغزو البري، مع التركيز على تدمير أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، ومع ذلك، ردت
إيران في اليوم التالي بإطلاق صواريخ باليستية "فتاح" و"خيبر"
على قواعد إسرائيلية في النقب، بهدف الردع وإثبات القدرة على الاختراق، مما أدى
إلى دمار محدود لكن رمزي.[17]
واستمرت المواجهة في الأيام
اللاحقة بتبادل هجمات إلكترونية وغارات، حيث نجحت الدفاعات الإيرانية في اعتراض
70% من الصواريخ الإسرائيلية بفضل نظام S-300 الروسي،
مما يعكس توازناً في القدرات الدفاعية رغم التفوق الجوي الإسرائيلي وفي هذا السياق، أصبحت المجريات اختباراً
للعقيدة العسكرية الإسرائيلية المبنية على الهيمنة الجوية مقابل العقيدة الإيرانية
المرتكزة على الصواريخ غير التقليدية.[18]
سعت إسرائيل طوال الحرب إلى
الحفاظ على تفوقها النووي الإقليمي من خلال تدمير أي إمكانية إيرانية للانتقال إلى
مرحلة السلاح، بينما هدفت إيران إلى إظهار صمودها من خلال الردود المحدودة التي
تتجنب التصعيد النووي الكامل، وهذه الأهداف كانت متعارضة جذرياً، حيث نجحت إسرائيل
في تدمير 40% من قدرات التخصيب الإيرانية حسب التقديرات الأولية، لكن إيران حافظت
على مخزونها الاستراتيجي في مواقع غير معلنة. وأخيراً، انتهت الحرب بوقف
إطلاق نار في 24 يونيو برعاية أممية، بعد خسائر بشرية بلغت 200 قتيل إيراني مقابل
50 إسرائيلي، مما يعكس عدم القدرة على تحقيق نصر حاسم.
في الوقت نفسه، عزز الدعم
الأمريكي العلاقات الثنائية، بينما ساهم الرد الإيراني في تعزيز الروح المعنوية
الوطنية محليًا، مما جعل الإجراءات درسًا في حدود الحرب غير المتكافئة. في
النهاية، فشلت الأهداف الكاملة للجانبين، إذ لم تُلغِ إسرائيل البرنامج تمامًا
بسبب الغموض المحيط بالمواقع السرية، بينما عجزت إيران عن إلحاق أضرار استراتيجية
جسيمة بفضل دفاعاتها الإسرائيلية المتقدمة، مما يعكس تحولًا في ديناميكيات الردع
الإقليمي نحو الاعتماد على التهديدات غير المباشرة.
المبحث الثالث: النتائج المباشرة
للحرب على البرنامج النووي الإيراني
ألحقت الضربات الإسرائيلية
الأمريكية أضرارًا بالغة بمنشآت رئيسية مثل فوردو ونطنز، حيث دمرت آلاف أجهزة
الطرد المركزي وألحقت أضرارًا بمفاعل آراك للأبحاث. وقد أضعف هذا قدرة إيران على
التخصيب الفوري بنسبة تصل إلى 50%، وفقًا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومع ذلك، نجا جزء كبير من المخزون النووي بفضل تخزينه في مواقع تحت الأرض. كانت
هذه الخسائر جزئية، وليست كلية، مما سمح لإيران بالاحتفاظ بما يُقدر بألفي
كيلوغرام من اليورانيوم المخصب وسط تزايد التدقيق الدولي والمطالبات بإجراء عمليات
تفتيش فورية. ومع ذلك، عززت النتائج الدعم الروسي لإعادة الإعمار، مما يعكس تحولًا
في الاعتماد على الحلفاء الشرقيين[19].
أثرت الحرب بشدة على اقتصاد
إيران، إذ تأثرت الأسعار بشكل رئيس وزادت حدة الضغوطات الداخلية وكذلك البطالة،
وانخفضت صادرات النفط بسبب مخاوف التصعيد. دفع هذا القيادة الإيرانية إلى إعادة
تقييم داخلية لبرنامجها النووي، مما أدى إلى انقسام بين المتشددين الذين يؤيدون
التصعيد النووي والإصلاحيين الذين رأوا في الدبلوماسية الحل الأمثل. أجبر هذا
الضغط متعدد الأوجه طهران على إعلان استعدادها لاستئناف المفاوضات، ولكنه أتاح
أيضًا فرصًا لإعادة الإعمار سرًا باستخدام التقنيات الروسية المتقدمة، مما عزز
قدرتها على الصمود على المدى الطويل.[20]
الفصل الثالث: المواقف
الإقليمية والدولية والسيناريوهات المستقبلية
يُكمل هذا الفصل الإطار التحليلي
للبحث من خلال استعراض المواقف الإقليمية والدولية المتنوعة تجاه البرنامج النووي
الإيراني في أعقاب الحرب، مع التركيز على كيف شكلت هذه المواقف الاصطفافات الجديدة
في الشرق الأوسط والعالم، وصولاً إلى استشراف سيناريوهات مستقبلية مبنية على
متغيرات جيوسياسية محتملة، مما يوفر رؤية شمولية لكيفية تأثير الحرب على
ديناميكيات عدم الانتشار النووي، ويبرز الحاجة إلى دبلوماسية متعددة الأطراف لتجنب
التصعيد، مع النظر في التوازن بين الضغوط العسكرية والحلول السلمية كمفتاح
للاستقرار الإقليمي.
المبحث الأول: المواقف
الإقليمية (إسرائيل، دول الخليج، تركيا)
رأت إسرائيل في الحرب نجاحاً
استراتيجياً جزئياً يؤخر البرنامج الإيراني لسنوات، مع التركيز على الضربات
الوقائية كعقيدة أمنية أساسية للحفاظ على تفوقها النووي غير المعلن، وهذا الموقف
المتشدد أدى إلى تعزيز التحالفات مع دول الخليج ومع
ذلك، دعمت دول الخليج مثل السعودية والإمارات الضربات ضمنياً من خلال مشاركة
معلومات استخباراتية، خشية من أن يؤدي البرنامج إلى هيمنة إيرانية تهدد أمن الطاقة
والملاحة في مضيق هرمز، مما يعكس تحولاً في السياسة الخليجية نحو التعاون مع
إسرائيل ضد التهديد المشترك.
في غضون ذلك، حافظت تركيا على
موقف محايد يدعو إلى الحوار الدبلوماسي، معربةً عن قلقها إزاء سباق تسلح إقليمي من
شأنه أن يُعقّد علاقاتها مع طهران. في نهاية المطاف، عززت هذه المواقف التحالفات
المناهضة لإيران، مما زاد الضغط على البرنامج. حافظت تركيا على توازن دقيق، فأدانت
الضربات الإسرائيلية باعتبارها انتهاكًا للسيادة، لكنها رفضت دعم إيران صراحةً
لتجنب التصعيد مع الولايات المتحدة. ودعت إلى حوار إقليمي شامل، وهو عمل دبلوماسي
متوازن يعكس اهتمام أنقرة بالاستقرار الاقتصادي مع إيران.
وأخيرًا، عززت هذه المواقف
الإقليمية تحالفات جديدة، ما مارس ضغطًا مستمرًا على إيران لإعادة النظر في
استراتيجيتها النووية. عقّدت هذه المواقف الديناميكيات الإقليمية، مع تزايد
المخاوف من سباق تسلح نووي يشمل المملكة العربية السعودية. جعلت هذه التفاعلات
الديناميكية البرنامج عاملًا محوريًا في توازن القوى، مما خلق في النهاية ضغطًا
جماعيًا على طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات.
المبحث الثاني: المواقف
الدولية (الولايات المتحدة، أوروبا، روسيا والصين)
دعمت الولايات المتحدة الحرب
لتحقيق هدف تجميد البرنامج النووي، لكنها دعت في أعقابها إلى مفاوضات سريعة لتجنب
الفراغ الأمني، وهذا الموقف المزدوج يعكس توازناً بين الضغط العسكري والدبلوماسي
ومع ذلك، أعربت أوروبا عن قلقها الشديد من التصعيد، ضاغطة على تعزيز الرقابة من
خلال الوكالة الدولية دون دعم لعمليات عسكرية إضافية، مما يعكس تفضيلها للحلول
السلمية.
وانتقدت روسيا والصين الضربات
كانتهاك للقانون الدولي، داعمتين السيادة الإيرانية بتقديم مساعدات تقنية، وهذا
الدعم الاستراتيجي يهدف إلى مواجهة الهيمنة الأمريكية وأخيراً، تعقدت الدبلوماسية
الدولية بسبب هذه الاختلافات، مما يفتح الباب لوساطات متعددة. انتقدت روسيا والصين
الضربات بشدة في مجلس الأمن، معتبرتين إياها انتهاكاً لمعاهدة عدم الانتشار،
ودعمتا إيران اقتصادياً لتعويض الخسائر، وهذا الدعم يعزز محوراً شرقياً معادياً
للغرب.[21]
أخيرًا، ازدادت الدبلوماسية
النووية تعقيدًا بشكل ملحوظ نتيجة للانقسامات الدولية المتفاقمة، التي رسمت خطوطًا
حمراء جديدة في أعقاب حرب الأيام الاثني عشر، مما رسم مسار المفاوضات المستقبلية
بشكل غير مسبوق. وقد أدى تضارب المواقف بين الغرب المتشدد، المُصرّ على التفكيك
الكامل للبرنامج النووي، وإيران، التي تعتبره حجر الزاوية في سيادتها، إلى انقسام
دولي واضح. ويتجلى هذا الانقسام في دعم روسيا والصين لطهران في مواجهة الضغوط
الأمريكية والأوروبية المشتركة، مع محاولة إسرائيل عرقلة أي تقارب. ولا يقتصر هذا
الانقسام على اللاعبين الرئيسيين؛ بل يمتد إلى دول الخليج، التي تسعى للحصول على
ضمانات أمنية. وقد فتح هذا الباب أمام وساطة أوروبية محتملة من دول مثل فرنسا
وألمانيا، والتي قد تُحيي روح اتفاق عام 2015 من خلال حزمة متوازنة تجمع بين تخفيف
العقوبات وعمليات تفتيش دقيقة. ومع ذلك، فإن هذه المواقف المتعددة تُنشئ إطارًا
معقدًا للحوار، يتطلب تنازلات متبادلة وانعدامًا للثقة. قد تُفضي الوساطة
الإقليمية عبر عُمان أو قطر إلى حلٍّ للأزمة، أو على العكس، قد تُفضي إلى تصعيدٍ
يُؤجج سباق التسلح. في الختام، حددت هذه الديناميكيات مسارات التعافي الإيراني،
الذي يعتمد على قدرتها على الاستفادة من الدعم الشرقي لإعادة بناء قدراتها مع
إبقاء قنوات الحوار مفتوحة لتجنب العزلة الدولية
التامة. لذا، فإن المستقبل يتوقف على نجاح الدبلوماسية في تحويل التوترات إلى
فرصةٍ لتحقيق استقرارٍ إقليمي شامل.
المبحث الثالث: استشراف
مستقبل البرنامج النووي الإيراني
يُمثل مستقبل البرنامج النووي الإيراني نقطة
تحول حاسمة في مسار التوازنات الإقليمية والدولية، لا سيما بعد حرب الاثني عشر الحرب التي عصفت بالمنطقة. لم يعد هذا البرنامج مجرد
مسألة تقنية أو سياسية؛ بل أصبح ركنًا أساسيًا من هوية إيران الاستراتيجية، وورقة
مساومة قوية مع الغرب، ومصدر قلق بالغ لجيرانها وخصومها على حد سواء، ومن هنا
تستشرف بعض السيناريوهات المحتمل وقوعها في المستقبل:
1.
سيناريو
التهدئة والعودة الى التفاوض
في خضم هذا التوتر، تبرز
الدبلوماسية كأحكم خيار ، فهي السبيل الوحيد لتجنب كارثة إقليمية فمن المحتمل
العودة الى المفاوضات رغم الصعوبات السياسية والمعوقات المحيطة ، فأن الوصول الى
اتفاق شامل يتطلب مرونة من الأطراف المعنية وتجاوز الخلافات ضمانات متبادلة : رفع
تدريجي للعقوبات مقابل شفافية كاملة وتجميد التخصيب على المستويات السلمية. لكن
نجاح مثل هذا الاتفاق يتطلب ثقة غائبة منذ سنوات، ويتطلب أيضًا مشاركة جهات فاعلة
إقليمية مثل دول الخليج وإسرائيل، كشركاء
في ترتيبات أمنية شاملة.
لكن يبقى احتمال ضئيل في ظل غياب
الثقة المتبادلة بين الأطراف ورفض الداخل الإيراني لأي تنازلات من جانبهم.
وفي حال عدم التوصل لأي اتفاق
نهائي، قد يلجأ الأطراف الى حل مؤقت وحدود، يكون عبر تجميد بعض من الأنشطة النووية
بمقابل رفع جزئي للعقوبات. ومن المتوقع ان يساعد هذا في خفض بمستوى التوتر
مؤقتناً، إلا انه ليس حلاً جذرياً لهذه الازمة، خاصتاً مع المواقف المتضادة في
الداخل الإيراني والضغوط الامريكية المستمرة، مما يجعل استمراره على المدى الطويل
صعباً.
2.
سيناريو التوتر
والتصعيد
اما اذا فشلت هذه المساعي
والمفاوضات واستمر التباعد بين مواقف الأطراف، قد يكون الاتجاه نحو المزيد من
التوتر والتصعيد سواء من خلال تشديد العقوبات على ايران من قبل أمريكا او حلفاؤها
، او عبر رفع مستوى تخصيب اليورانيوم من قبل ايران كرد على هذه العقوبات والضغوط،
ومع التصعيد المستمر قد تتجه إسرائيل لخيارات خطيرة وشديدة تشمل ضربات أخرى نحو
المنشآت النووية داخل ايران، وقد ينعكس سلبا على امن وعدم استقرار المنطقة في
الخليج وخاصه مع دخول اطراف أخرى على خط الصراع، ومن الممكن تفاقم مستوى المخاطر
الامنية التي تؤدي الى مواجهة عسكرية يصعب احتوائها.
3.
سيناريو
التوازن الجديد
قد تسعى الدول الكبرى في المراحل القادمة الى
إعادة الاتفاق النووي 2015 الى
الصورة، لكن بصيغة معدلة تراعي الصراعات والخلافات التي تم فرها من التطورات
الأخيرة ، حيث ستهدف لتحقيق تسوية متوازنة بين الأطراف، فتلتزم فيها ايران
بالشفافية مقابل ضمانات قانونية بعدم تكرار انسحاب الولايات المتحدة منها، لكن
هناك صعوبات حقيقية لسيناريو، في ظل تقلبات السياسية الخارجية الامريكية وبع الدول
الإقليمية وخصوصا اسرائيل، التي لاتتفق مع أي اتفاق يخص ويتناول الدور الإقليمي
الإيراني، ومع ذلك يبقى السيناريو مطروح كخيار واقعي لتجنب التصعيد والسعي نحو
مرحله تفاوضية تقود الى استقرار تام
للمنطقة. [22]
النتائج:
·
تكشف
الخلفية التاريخية عن تحول البرنامج من مشروع سلمي مدعوم غربيًا في عهد الشاه إلى
أداة دفاعية سرية بعد الثورة. وقد ساعد تراكم القدرات المحلية البرنامج على الصمود
في وجه العقوبات وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي لعام 2015، مما
مهد الطريق للتصعيد الحالي، وأظهر كيف أصبح البرنامج ركيزة من ركائز السيادة
الإيرانية رغم الخسائر الاقتصادية.
·
ألحقت
حرب الاثني عشر يومًا أضرارًا مباشرة بمنشآت رئيسية مثل نطنز وفوردو، لكن الغموض
المحيط بمخزون اليورانيوم المخصب والمعدات المتطورة يسمح بإعادة الإعمار سرًا. وقد
غيّر الفشل الجزئي في تحقيق جميع أهداف إسرائيل ديناميكيات الردع، وأثار جدلًا
إيرانيًا داخليًا حول جدوى استمرار البرنامج.
·
تباينت
المواقف الإقليمية، بدءًا من دعم إسرائيل والخليج للضربات كوسيلة لكبح النفوذ
الإيراني، وصولًا إلى الحياد التركي الداعي للحوار. وعلى الصعيد الدولي، ثمة
انقسام بين الضغط الأمريكي والأوروبي للرقابة والدعم الروسي والصيني للسيادة، مما
يُعقّد استئناف المفاوضات، ولكنه يُتيح أيضًا فرصًا للوساطة.
·
إن
السيناريوهات المستقبلية قد تضمن إمكانية التصعيد من خلال إعادة الإعمار المدعومة
خارجياً والتي تؤدي إلى سباق تسلح، أو خفض التصعيد من خلال اتفاق جديد مع ضمانات
أمنية، مع خطر الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي إذا فشلت الدبلوماسية، مما
يجعل البرنامج مفتاحاً للاستقرار الإقليمي.
الخاتمة:
في أعقاب حرب الاثني عشر يوما،
برز البرنامج النووي الإيراني كعنصر محوري في إعادة توازن القوى الإقليمية. أثبتت
الضربات قدرتها على إلحاق الضرر، لكنها لم تُضعف عزيمة إيران على الاستمرار، مما
فتح الباب أمام سيناريوهات تتراوح بين انتعاش سري يدعمه الحلفاء، وتنازلات
دبلوماسية في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة. هناك حاجة إلى رقابة دولية أكثر صرامة
لمنع المنطقة من أن تصبح ساحة لسباق تسلح نووي يهدد الاستقرار العالمي. وهذا يتطلب
من القوى الكبرى إعادة تقييم استراتيجياتها للجمع بين الضغط والحوار.
من ناحية أخرى، أعادت الحرب تشكيل
التحالفات، معززةً موقف إسرائيل ودول الخليج في مواجهة التوسع الإيراني، بينما
حافظت روسيا والصين على دعم استراتيجي يمنع الانهيار التام. وبالتالي، فإن مستقبل
البرنامج النووي الإيراني مرتبط بنجاح طهران في استغلال الغموض المحيط بمخزونها
المتبقي لتعزيز موقفها التفاوضي. كما أن هناك مخاطر داخلية من انقسامات قد تؤدي
إلى تغييرات في السياسة النووية. يستدعي هذا الواقع مبادرات تفاوضية دبلوماسية
جديدة تضمن ضمانات أمنية متبادلة لتجنب دورات التصعيد المتكررة.
وأخيرًا، يبقى البرنامج النووي
الإيراني رمزًا للصراع الأوسع في الشرق الأوسط، حيث يمكن أن يصبح حافزا للسلام إذا
نجحت المفاوضات في ربط تخفيف العقوبات بتجميد القدرات الحساسة مع الاعتراف بحقوق
إيران السلمية في إطار منع الانتشار، أو مصدرًا دائمًا للتوتر إذا استمر التصعيد،
مما يضع تهديدا كبيرا على امن المنطقة واستقرارها، او توازن جديد لضمان انتقال
المنطقة نحو استقرار مستدام يعود بالنفع على جميع الأطراف.
قائمة
المراجع:
أولاً: الكتب
1.
نورالدين
عبد المنعم، محمد .النشاط النووي الإيراني من النشأة وحتى
فرض العقوبات. القاهرة:
مكتبة الأنجلو المصرية، 2009.
ثانياً: المجلات والدوريات
العلمية
1.
الشاهين،
عمار عباس وآخرون. "الحرب الإسرائيلية الأمريكية على الجمهورية الإسلامية في
إيران: الدوافع، التفاعلات والمواقف، التداعيات المستقبلية."
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية،
( 9يوليو 2025)
2.
الحديثي،
محمد معزز وخضر عباس عطوان. "العلاقات الأمريكية الإيرانية في عهد الرئيس
دونالد ترامب." مجلة
مدارات إيرانية. العدد 4
(يونيو 2019)، 59.
3.
الدردساوي،
ضياء محمود. "الاتفاق النووي الإيراني مع مجموعة (5+1) عام 2015." المجلة العربية للنشر العلمي. العدد 77 (2 مارس 2025)،
67.
4.
العتيبي،
طلال. "تطور البرنامج النووي الإيراني وأثره على أمن منطقة الخليج العربي." مجلة العلوم الإدارية والسياسية. العدد 2 (ديسمبر 2023).
5.
عبد
الأمير، زينة. "آفاق الاتفاق النووي الإيراني وأثره على دورها الإقليمي
المستقبلي." مجلة
كلية القانون والعلوم السياسية (25 أبريل
2015)
6.
لكريني،
إدريس. "مستقبل الملف النووي الإيراني ما بعد ترامب."
مجلة الدراسات الإيرانية.
السنة الثالثة، العدد 9
(2019).
7.
عمار
عباس الشاهين وآخرون، "المفاوضات النووية المترقبة بين ايران والقوى الكبرى:
الدوافع، دور القوى الكبرى، النتائج المتوقعة"، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، بغداد،(
13 شباط 2025) .
ثالثاً: الرسائل الجامعية.
1.
فلاح،
سعد مجبل. البرنامج
النووي الإيراني وأثره على توجهات السياسة الخارجية الكويتية للفترة (2003-2012). رسالة
ماجستير، كلية الآداب والعلوم، جامعة الشرق الأوسط، 2013.
رابعاً: التقارير والدراسات
البحثية
1.
الضوي،
ياسمين أحمد. "بعد حرب الـ 12 يومًا: مستقبل المحور الروسي الإيراني إلى أين." مركز الأهرام للدراسات السياسية
والاستراتيجية11) أغسطس
2025(.
2.
سويلم،
حسام. "صناعة القرار السياسي في إيران ومنهج إدارة الأزمات." المركز العربي للبحوث والدراسات
(ديسمبر 2013) .
3.
غايتا،
ميشيل. "البرنامج النووي الإيراني بعد حرب الاثني عشر يومًا: الخيارات
والتحديات." مركز
أسباب للدراسات والبحوث ((2025 .
4.
مركز
الإمارات للسياسات. "حرب الاثني عشر يومًا: كيف أثرت المواجهة بين إيران
وإسرائيل في عقيدتها العسكرية." الإمارات العربية المتحدة (21 يوليو 2025).
5.
منصور،
أحمد حسن. "البرنامج النووي الإيراني وانعكاساته على أمن دول مجلس التعاون
الخليجي 2015-2022." المركز
الديمقراطي العربي، برلين (9 يوليو 2023).
6.
المركز
العربي للأبحاث ودراسة السياسات. "الحرب الإسرائيلية على إيران والرد
الإيراني: من الظل إلى الصدام المباشر." الدوحة (15 يونيو 2025).
7.
هريدي،
شريف. "فرص وقيود: مستقبل التفاوض النووي بين إيران والغرب بعد حرب الــ 12
يومًا." مركز
المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة7) أغسطس
2025.(
8. على
هاشم، إيران بعد وفاة الاتفاق النووي: الردع الكامن أم الردع الكامل؟، موقع
الجادة، 13 أكتوبر 2025.
9.
مركز
الإمارات للسياسات، تقييم لحالة مكونات البرنامج النووي الإيراني بعد الضربات
الأمريكية، مركز الإمارات للسياسات، أبو ظبي، 25 يونيو 2025
.10البرنامج
النووي الإيراني... ما حجم الضرر جراء الهجمات الإسرائيلية؟" الشرق الأوسط،
2025.
[1]) شريف
هريدي، فرص وقيود: مستقبل التفاوض النووي بين إيران والغرب بعد حرب الــ 12 يومًا،
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، الإمارات العربية المتحدة، 7 أغسطس
2025.
[2] ) محمد
نورالدين عبد المنعم، النشاط النووي الإيراني من النشأة وحتى فرض العقوبات
القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الأولى، 2009.
[3]) طلال العتيبي، "تطور البرنامج النووي الإيراني
وأثره على أمن منطقة الخليج العربي"، مجلة العلوم الإدارية والسياسية، العدد الثاني الرياض،
ديسمبر 2023.
[4])
المرجع السابق.
[5]) أحمد
حسن منصور، البرنامج النووي الإيراني وانعكاساته على أمن دول مجلس التعاون الخليجي
2015- 2022، المركز الديمقراطي العربي، برلين،9 يوليو 2023.
[6]( سعد مجبل فلاح، البرنامج النووي الإيراني وأثره على توجهات
السياسة الخارجية الكويتية للفترة (2003- 2012)، رسالة ماجستير، كلية الآداب
والعلوم، جامعة الشرق الأوسط، 2013، ص 30-31.
[7]) محمد
معزز الحديثي، خضر عباس عطوان، العلاقات الأمريكية الإيرانية في عهد الرئيس دونالد
ترامب، مجلة مدارات إيرانية، العدد 4، المركز الديمقراطي العربي، برلين، ألمانيا،
يونيو 2019، ص 59.
[8]) عبد
الرؤوف سنو، "حرب إسرائيل وإيران وما سبقها من تخطيط وتنفيذ وتداعيات"، جريدة الحرة ، القاهرة، 2025.
[9]) حسام
سويلم، صناعة القرار السياسي في إيران ومنهج إدارة الأزمات، المركز العربي للبحوث
والدراسات، مصر، ديسمبر 2013.
[10]( زينة عبد الأمير، آفاق الاتفاق النووي الإيراني وأثره على دورها
الإقليمي المستقبلي، مجلة كلية القانون والعلوم السياسية، 25 أبريل 2015.
[11]) مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. "القرار
1737 (2006)." 23 ديسمبر 2006. https://main.un.org/securitycouncil/ar/s/res/1737-%282006%29.
[12]) الدردساوي، ضياء محمود. "الاتفاق النووي
الإيراني مع مجموعة (+5 1) عام 2015." المجلة العربية للنشر العلمي 8، رقم 77، 2 آذار 2025، ص 67.
[13]) ميشيل
غايتا،مرجع سابق، 2025.
[14]) كواليس المفاوضات النووية بين إيران وواشنطن بعد
الحرب، Arabic
Post، 30 يوليو 2025، https://arabicpost.net/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%AE%D8%A7%D8%B5%D8%A9/2025/07/30/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D9%88%D9%8A%D8%A9-3/.
[15]) على
هاشم، إيران بعد وفاة
الاتفاق النووي: الردع الكامن أم الردع الكامل؟، موقع الجادة، 13 أكتوبر
2025، متاح على الرابط التالي: https://aljadah.media/archives/84097
[16]) عمار
عباس الشاهين وآخرون، "الحرب الإسرائيلية الأمريكية على الجمهورية الإسلامية
في إيران: الدوافع، التفاعلات والمواقف التداعيات المستقبلية"، مركز حمورابي للبحوث والدراسات
الاستراتيجية بغداد،( 9 يوليو 2025 ) .
[17]) مشيل
غايتا، "البرنامج النووي الإيراني بعد حرب الاثني عشر يوماً: الخيارات
والتحديات"، مرجع سابق، 2025.
[18]) مركز
الإمارات للسياسات، "حرب الاثني عشر يوماً: كيف أثرت المواجهة بين إيران
وإسرائيل في عقيدتها العسكرية" (الإمارات العربية المتحدة، 21 يوليو 2025
[19] مركز الإمارات
للسياسات، تقييم لحالة مكونات البرنامج النووي الإيراني بعد الضربات الأمريكية،
مركز الإمارات للسياسات، أبو ظبي، 25 يونيو 2025.
[21])
ياسمين أحمد الضو، مرجع سابق، 2025,
[22] عمار
عباس الشاهين وآخرون، "المفاوضات النووية المترقبة بين ايران والقوى الكبرى:
الدوافع، دور القوى الكبرى، النتائج المتوقعة"، مركز حمورابي للبحوث والدراسات
الاستراتيجية بغداد،( 13 شباط 2025) .
Comments
Post a Comment